الشيخ محمد هادي معرفة
48
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
قال صاحب كتاب المباني : وأمّا ما روي عن عائشة ، فإنّ ذلك يدلّ على أنّه عليه السلام كان يحتاج مع ما أُنزل عليه من القرآن إلى تفسير آيات يعلّمهنّ إيّاه جبريل عليه السلام وتلك آيات معدودة قد أُجملت فيها أحكام الشريعة ؛ بحيث لا يوقف عليه إلّا ببيان الرسول عن اللّه تعالى . وأمّا ما ذكروه من امتناع من امتنع من القول في التفسير ، فإنّ ذلك بمنزلة من امتنع منهم عن الرواية عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إلّا فيما لم يجد فيه بُدّا . ولذلك قلّت روايات رجال من أكابر الصحابة ، مثل عثمان وطلحة والزبير وغيرهم . روى عامر بن عبد اللّه بن الزبير عن أبيه قال : قلت للزبير : ما لي لا أسمعك تحدّث عن رسول اللّه ، كما أسمع ابن مسعود وفلانا وفلانا ؟ فقال : أمّا إنّي لم أفارقه منذ أسلمت ، ولكنّي سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول : « من كذب عليَ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار » . وقيل لربيعة : إنّا لنجد عند غيرك من الحديث ما لا نجد عندك ! فقال : ما عندهم شيء إلّا وقد سمعت منه ، ولكنّي سمعت رجلًا من آل الهدير يقول : صحبت طلحة وما سمعته يحدّث عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إلّا حديثا واحدا . قال : وهذا عبد اللّه بن عبّاس ، لم يدع آية في القرآن إلّا وقد ذكر من تفسيرها ، على ما روت عنه الرواة ؛ ولذلك قيل : ابن عبّاس ترجمان القرآن . وروي عن أبي مليكة قال : رأيت مجاهدا يسأل ابن عبّاس في تفسير القرآن ومعه ألواحه ، فيقول ابن عبّاس : اكتبه ، حتّى سأله عن التفسير كلّه . وروي عن سعيد بن جبير أنّه قال : من قرأ القرآن ولم يفسّره كان كالأعمى أو كالأعرابيّ . وروى مسلم عن مسروق بن الأجدع قال : كان عبد اللّه يقرأ علينا السورة ثمّ يحدّثنا فيها ، ويفسّرها عامّة النهار . وعن أبي عبد الرحمان قال : حدّثونا الذين كانوا يُقرئوننا : أنّهم كانوا يستقرئون من النبيّ ، فكانوا إذا تعلّموا عشر آيات لم يخلفوها حتّى يعلموا ما فيها من العمل ، فيعلموا